‌منظومتنا التربوية، أيّةُ حصيلة ؟



بوحديد القمبري
مدير إدارة مركزية بمندوبية التربية بنابل


يُعتبَر القانون عدد 80 المؤرخ في 23 جويلية 2002 بتنقيحاته اللاحقة والمعروف "بالقانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي" أهم مرجع تشريعي للمنظومة التربوية التونسية.

مثّل هذا القانون عند صدوره تطوّرا في التشريع التربوي ببلادنا في مستوى روحه العامة القائمة على الجمع بين البعد التاريخي المحدد للمرجعية والقيم، والبعد الاستشرافي المستقبلي، وفي مستوى المبادئ العامة التي يفترض أن تمثل روح التشريعات التربوية وخاصة المبدآن الواردان بالفصلين الأول (التربية أولوية وطنية مطلقة) والثاني (التلميذ محور العملية التربوية).
ورغم ذلك فقد مَثّل واقع المنظومة التربوية بعد أكثر من 18 سنة من صدور هذا القانون، حالة مختلفة عما كان يجب أن تكون عليه مخرجات القانون التوجيهي.

ويكفي في هذا السياق أن نذكر بعض ملامح هذا الواقع:

خلافا لما نص عليه القانون التوجيهي في فصله الثاني: "التلميذ محور العملية التربوية" فإن جميع المعارك التي خاضتها مختلف القطاعات التربوية -على مشروعيتها- لم تكن من أجل تحقيق هذه المحورية، وإنما كانت من أجل تحصيل مزيد من المكاسب للمنتمين لتلك القطاعات.

شهدت العشر سنوات الأخيرة عديد المحاولات الإصلاحية للمنظومة التربوية من قِبل الحكومات المتعاقبة ، لكنها كانت في كل مرة تنجح في إنجاز التشخيص وتفشل في ترجمة تلك المخرجات إلى مشروع إصلاحي.

انحصرت مهام من تعاقبوا على الإشراف على مصالح وزارة التربية في تصريف أعمالها، والخروج بسلام عند كل محطة وكل أزمة، فأصبح مفهوم حسن التسيير مقصورا على إنجاح العودة المدرسية وإنجاح الامتحانات الوطنية، وإنقاذ السنة الدراسية في ظل تواتر الإضرابات أو في ظل جائحة كوفيد.، وفي المقابل تعطّل إصلاح المنظومة التربوية وغابت الرؤى في عديد المسائل المثيرة للجدل.
بعد عشر سنوات من تغيير النظام السياسي في بلادنا لا تزال المنظومة التربوية تراوح مكانها في غياب رؤى إصلاحية واضحة على المستوى القريب والمتوسط والبعيد.

نتائج ذلك واضحة في مكتسبات التلاميذ والقِيم التي يحملونها وفي كمّ الانقطاعات المدرسية ونسبة البطالة.

إذا كان المجتمع التونسي لا يزال متمسكا بكَوْن "التربية أولوية وطنية مطلقة" فلا يمكن له أن يتحمل مزيدا من التأجيل وتصريف الأعمال، واستمرارا لغياب رؤية جامعة تحقق الجدوى وتقلّص الهدر:

تتأكد الحاجة اليوم إلى رؤية تحدّد ملامح التلميذ التونسي هويّة وقيما وانتماء وطنيا ومكتسبات معرفية ومهارات حياتية، وتترجم ذلك إلى تشريعات ومناهج ومقررات.
تتأكد الحاجة اليوم إلى رؤية تتم بموجبها مراجعة مسالك التوجيه المدرسي وشعبه على ضوء المناشط الاقتصادية المجتمعية، وبالتنسيق مع جامعاتنا الوطنية.
تتأكد الحاجة اليوم إلى رؤية للمدارس الإعدادية التقنية في ظل واقع التهميش الذي تعانيه، والنقص في إطار التدريس المختص.
تتأكد الحاجة اليوم إلى رؤية لمعاهد مهن التربية تُخرجها من حالة الجمود والعطالة إلى حالة الفاعلية وتطوير الكفاءات.
تتأكد الحاجة اليوم إلى رؤية للتعليم الخاص تخرج به من العقلية الربحية إلى عقلية المنافسة والجودة.

لا يمكن لمنظومتنا التربوية أن تخرج من ملامح الجمود والاجترار والعجز التي تمثل خلاصة التشخيص، دون الإعلان عن رؤى جامعة وجريئة في مختلف المجالات تستجيب لحاجيات المجتمع القيمية والاقتصادية والوطنية.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 218469